|
موضوع الخلافة بعد الرسول أعتقد أن الرسول لم يفكر مطلقاً في موضوع الإمارة أو الخلافة بعده بمعناها السياسي . لقد كانت قيادته أو رئاسته أمراً حدث عرضاً إلى جانب النبوة , و كان همه و الشغل الشاغل لتفكيره هو هذا الدين الذي يدعو إليه . لم يستعمل الرسول أساليب المراوغة السياسة في قيادته إلا بشكل محدود إضطره الموقف إليه و إنما كان نبياً واضحاً كل الوضوح . لقد سير الرسول أمور القيادة بيسر و بساطة في المدينة و ترك أمور القيادة الفرعية سواء في المدينة أو خارجها لأولي الأمر من الناس ( أطيعو الله و رسوله و أولي الأمر منكم ) . و أولي الأمر كانوا في الغالب رؤساء القبائل الذين بقوا قادة لأقوامهم سواء في الجاهلية أو الإسلام و هم طبعاً أفضل من يطاع . و بتصوري أن الرسول كان مرتاحاً إلى إكتمال دينه و إنتشاره و كان مرتاحاً لوجود القرآن لدى الناس و هو الدستور الذي بدأوا يتعاملون به و الذي تدربوا على إستخدامه بوجود الرسول ( و هذا ما عبر عنه عمر عندما بدأ الرسول يهذي قبيل وفاته فقال عمر حسبنا كتاب الله و سنة رسوله ) . أما القيادة أو الإمارة فهي عادية و بسيطة , سيقودهم أمراؤهم و يفصلون في قضاياهم . و لكن بماذا كان يفكر الرسول في آخر لحظات حياته عندما حضره الموت . لقد فكر ببساطة كما يلي : إني تارك فيكم الثقلين ( الهمين الكبيرين الذين يشغلان بالي و هما بعضاً مني ) كتاب الله و عترتي أهل بيتي ... شيء طبيعي أن يوصي بهما . القرآن الذي قضى الرسول حياته يعمل لإيصاله للناس . و بمن سيفكر أيضاً ؟ بأهله و نسائه و أحفاده . إنه يرجو أن يعيشوا بكرامة و إحترام من قبل الناس كرد للجميل على ما قدمه الرسول من تضحيات في سبيلهم . إن اهله هم احب الناس إليه , إنه إنسان و يتمنى كل الخير لأهله و يريد الإطمئنان عليهم بعد وفاته . أما موضوع الخلافة بعده فهذا ما لم يفكر به الرسول مطلقاً خاصة إذا أخذنا بهذا الحديث من صحيح مسلم : "عن أنس قال : مر غلام للمغيرة بن شعبة و كان من أقراني فقال النبي (ص) إن يؤخر هذا فلن يدركه الهرم حتى تقوم الساعة" أي أن الساعة ستقوم خلال 50 عاماً , فلا لزوم لتخطيط سياسي مستقبلي . و إن ما يثار من موضوع توصيته بالخلافة لعلي بن أبي طالب , يمكن الرد عليه كما يلي : لقد روى لنا الأولون ما قيل بهذا الخصوص و أهم ما قيل فيه هو : أولاً : حديث غدير خم: و خلاصته أن الرسول أوصى بالثقلين و هما كتاب الله و عترته أهل بيته , و قال من كنت مولاه فعلي هذا مولاه أللهم والي من والاه و عادي من عاداه . أما موضوع الثقلين فقد ذكرت طريقة التفكير بهما , و أما موضوع علي فإن السنة تفسر كلمة مولاه بحبيبه أو الذي يهمه أمره أو المقرب إليه , أي من كنت حبيبه فعلي هذا حبيبه و ليس كما تقول الشيعة بأن كلمة مولاه تعني اميره أو إمامه , و التفسير الأول هو الصحيح و هو ما تقوله معاجم اللغة , و إذا علمنا أن فتح مكة وإسلام قادة قريش كرهاً وعدم نسيان قريش القتلى من شيوخها في معركة بدر و الذي كان لعلي يداً في قتل بعضهم , أبقى ناراً تحت الرماد و أبقى الحساسية بين هاشمي و أموي و بين أنصاري و قرشي و التي ظهرت فيما بعد بشكل دموي عنيف , و ذلك رغم كل المقولات بأن الإسلام آخى بينهم . لذلك أراد الرسول أن يوصي بعلي خيراً و لم يشر إلى عمه العباس لأن العباس كانت مكانته محفوظة لدى قريش بعكس علي الذي ربط مصيره بمصير الدين الجديد و الذي نال من أجله كراهية قريش . و الذي يؤكد أن مولاه تعني حبيبه و ليس أميره , الحادثة التي توردها الشيعة للدلالة على عكس ذلك , و مفادها أن شخصين إحتكما إلى الخليفة عمر فأشار إلى علي و قال هذا يحكم بينكما , فقال أحدهما مستنكراً , أهذا يقضي بيننا , فرد عليه عمر قائلاً ويحك هذا مولاك و مولا كل المؤمنين مشيراً بذلك إلى ما جاء في حديث الرسول . هذه الحادثة توردها الشيعة للدلالة على إعتراف عمر بولاية علي , و الحقيقة عكس ذلك , فهي تؤكد بأن مولاك معناها حبيبك و إلا لما قالها عمر . هل يعقل أن يقول عمر هذا إمامك و قائدك و أنا سرقت الإمامة منه . هذا غير معقول . ثانياً : حادثة خميس الرزية: ( كما يسميها إبن عباس ) : و خلاصتها أن الرسول في مرضه الأخير كانت تنتابه الحمى و يغمى عليه من شدة المرض , فقال هلم إلي بدواة و قلم أكتب لكم وصية لن تضلوا بها بعدي, فمنعهم عمر و قال إن الرسول يهجر (يهذي) حسبنا (يكفينا) كتاب الله و سنة رسوله . فكثر اللغط (الضجة) فطلب الرسول أن يخرجوا , ولم يكتب شيئاً . هذه الحادثة تسوقها الشيعة أيضاً كدليل على أن الرسول كان ينوي أن يوصي لعلي و لكن عمر منعه من ذلك . لو أراد الرسول أن يوصي لعلي , فما هذا الذي فعله قبيل ذلك في خطبته في غدير خم ؟ ألم يوص له أمام الملأ كما تقول الشيعة . و منذ متى كان الرسول يوزع أوامره خطياً و ليس شفاهاً , فعندما منعه عمر من الكتابة , ألم يستطع أن يقول كلمتين (كما يقول محمد سعيد العشماوي) يا قوم أنا أوصي لعلي بعدي . و طالما أن هذه الوصاية أمر إلهي كما تقول الشيعة , كيف يتركها الله دون تحديد في كتابه القرآن الذي لم يفرط فيه من شيء ؟ بل بالأحرى كيف يتركها لعبة في يد عمر؟ فإذا كان الله و رسوله لم يستطيعا إيصال هاتين الكلمتين للناس فهل العيب في عمر ؟ . أعتقد بأن الرسول كان يهذي من الحمى كما يهذي غيره من البشر , و قد أشفق عليه عمر من الهذيان , و لربما كتب هلوسة تنقص من هيبته و نبوته . و هذا ما لم يقبل به عمر , عمر الذي أعمل عقله في كل تصرفاته . و لا ننسى إن قول عمر حسبنا كتاب الله و سنة رسوله حدد موضوع الحديث الذي كان يدور في تلك الساعة . فالموضوع ليس موضوع خلافة أو إمامة حتى يقول عمر أن كتاب الله وسنة رسوله ستكونا الخليفة , فهذا لا معنى له . و إنما قول عمر يفيد بأن الرسول أراد أن يكتب شيئاً يشبه القرآن و لكنه لم يتمكن من صياغته قولاً بسبب هذيانه و الهذيان طبعاً كلام مغلوط لذلك رفض عمر كتابته , و أكبر دليل على ذلك هو أن الرسول عندما كان يصحو من الحمى لفترات وجيزة كان يستفسرعن جيش أسامة أو يكلف أبا بكر بأم الناس في الصلاة و لم يفكر بغير هذه المواضيع و هو صاح . ثالثاً : قبيل و فاة الرسول بساعات قال العباس لعلي إذهب إلى رسول الله و سله فيمن يكون هذا الأمر ( الخلافة) . فإن كان فينا علمنا ذلك و إن كان في غيرنا أمر فأوصى بنا , فقال علي و الله لئن سألناها رسول الله فمنعناها لا يعطيناها الناس أبداً . والله لا أسألها رسول الله أبداً . هذه الحادثة تنفي الوصية في حديث غدير خم . فلو كان علي يعرف أنه الخليفة الموصى له , فكيف يذهب و يسأل الرسول عن ذلك كما أن هذه الحادثة و حادثة خميس الرزية تفيد بأن هذا الموضوع لم يطرح سابقاً في حديث غدير خم . و الواضح أن موضوع خلافة الرسول لم يخطر على بال أحد و لم يبحث فيه إلا قبيل وفاة الرسول بساعات أو بعده بساعات . النتيجة : عند وفاة الرسول لم تكن هناك دولة بمعنى الدولة , لا وزراء و لا حتى بيت مال و لا دواوين و لا سجلات . كانت جزيرة العرب عند وفاة الرسول كما كانت قبل الاسلام لا ملوك و لا قادة و لكن قبائل و رؤساء قبائل . و إن موضوع الخلافة اصبح أمراً مهماً بعد وفاة الرسول مباشرة. و كما يقول العشماوي : لا تكليف أبو بكر بالصلاة بالناس أثناء مرض الرسول . و لا تكليف علي بالبقاء في المدينة أثناء خروجه , و لا تكليف عمرو بن أم مكتوم الاعمى لعدة مرات بذلك . لم يكن هذا التكليف يحمل أي دلالة على رغبة رسول الله بخلافة أحد منهم له . عندما كان علي بن أبي طالب على فراش الموت طلب منه أصحابه ان يستخلف عليهم إبنه الحسن فأبى و قال : لا آمركم و لا أنهاكم . لقد ترك رسول الله المسلمين دون أن يستخلف عليهم . اورد ذلك خالد محمد خالد في كتابه خلفاء الرسول . -------------------------- أزرق
|